
عندما يتم الحديث عن شركات الذكاء الاصطناعي، يتجه التركيز عادة إلى المنتجات الأشهر أو عدد المستخدمين أو حجم الضجة حول كل شركة. هذه مؤشرات سهلة القياس وسريعة الانتشار، لكنها لا تكشف دائمًا ما يحدث داخل الشركات نفسها.
هناك مؤشر آخر أكثر هدوءًا، لكنه أكثر دقة في قراءة السوق، وهو حجم الإنفاق الفعلي داخل المؤسسات. هنا تحديدًا بدأت ملامح تغير مهم في الظهور، مع اقتراب Anthropic من OpenAI في حجم اعتماد الشركات على أدواتها.
كيف تتحرك الأرقام دون ضجيج
البيانات تشير إلى أن OpenAI ما زالت تحتفظ بنسبة استخدام أعلى داخل الشركات، حيث تعتمد عليها نسبة تقارب 35%، في حين وصلت Anthropic إلى ما يزيد قليلًا عن 30%.
الفارق موجود، لكنه لم يعد كبيرًا كما كان في السابق.
الأهم من ذلك هو سرعة الحركة خلال الفترة الأخيرة، حيث تمكنت Anthropic من تقليص هذه المسافة خلال وقت قصير نسبيًا.
هذا النوع من التغير لا يحدث عادة في الأسواق المستقرة، بل يظهر عندما يكون السوق في مرحلة إعادة تشكل.
أين يحدث هذا التحول فعلًا
اللافت في هذه القصة أن التغير لا يأتي من المستخدمين الأفراد، وإنما من داخل بيئات العمل.
الشركات، خاصة في قطاعات مثل التمويل والتأمين والخدمات، بدأت تتجه نحو استخدام أدوات Anthropic بشكل متزايد.
هذه القطاعات لا تبحث عن تجربة سهلة فقط، وإنما عن دقة يمكن الاعتماد عليها في قرارات يومية قد تكون حساسة.
مع الوقت، بدأت هذه الاستخدامات تتراكم، وتنعكس في شكل إنفاق حقيقي، وهو المؤشر الذي يعكس القيمة الفعلية لأي منتج تقني.
لماذا بدأت الشركات تتحرك في هذا الاتجاه
أدوات مثل Claude وجدت طريقها إلى المطورين والفرق التقنية التي تحتاج إلى التعامل مع مهام معقدة، خاصة في البرمجة والتحليل.
في هذه البيئات، لا يتم تقييم الأداة على أساس سهولة الاستخدام فقط، وإنما على قدرتها على تقديم نتائج دقيقة يمكن البناء عليها.
هذا النوع من الاستخدام يخلق ارتباطًا أعمق بين الشركة والأداة، لأنه يتحول من تجربة إلى جزء من سير العمل اليومي.
ما الذي تغيّر في طريقة تقييم السوق
في المراحل الأولى من انتشار الذكاء الاصطناعي، كان من الطبيعي أن يتم قياس النجاح بعدد المستخدمين.
والمنتج الذي يصل إلى عدد أكبر من الأشخاص كان يُنظر إليه على أنه المتصدر.
ولكن مع دخول الشركات إلى الصورة بشكل أوسع، تغيرت هذه المعادلة. والمستخدم المجاني لم يعد يعكس القيمة الحقيقية، لأن التأثير الأكبر يظهر عندما تتحول الأداة إلى جزء من العمليات داخل الشركات.
في هذه المرحلة، يصبح السؤال عن حجم الإنفاق أكثر أهمية من عدد المستخدمين، لأنه يعكس مدى اعتماد الشركات على هذه الأدوات بشكل فعلي.
صورة السوق الآن: توازن لم يكن موجودًا من قبل
رغم التقدم الذي تحققه Anthropic، ما زالت OpenAI تمتلك حضورًا قويًا، خاصة من حيث الانتشار الواسع وقاعدة المستخدمين الكبيرة.
لكن السوق لم يعد يميل لطرف واحد كما كان في البداية. فهناك توازن بدأ يتشكل، حيث تمتلك كل شركة مساحة قوة مختلفة.
OpenAI لا تزال الأكثر حضورًا على نطاق واسع، في حين تتحرك Anthropic بثبات داخل البيئات التي تعتمد على الاستخدام الاحترافي.
لماذا يحدث هذا التحول في هذا التوقيت
الذكاء الاصطناعي لم يعد في مرحلة الاكتشاف أو التجربة. فالشركات بدأت تنقله من مساحة التجريب إلى داخل العمليات اليومية.
في هذه المرحلة، تصبح المعايير أكثر صرامة. لا يتم اختيار الأداة بناءً على شهرتها، وإنما على قدرتها على العمل داخل بيئة حقيقية دون أخطاء مكلفة.
هذا التغير يفتح المجال أمام شركات قادرة على تقديم أداء متخصص، حتى لو لم تكن الأكثر انتشارًا.
ماذا يعني هذا الاتجاه إذا استمر
إذا استمرت Anthropic في تقليص الفجوة بنفس الوتيرة، فقد نشهد تغيرًا في ترتيب السوق خلال فترة ليست طويلة.
هذا التغير لن يكون مجرد تبديل في الأرقام، وإنما تحول في مراكز القوة داخل القطاع.
الشركة التي تنجح في أن تصبح جزءًا من طريقة عمل الشركات، تمتلك فرصة أكبر للاستمرار، لأن هذا النوع من الاستخدام لا يتغير بسهولة.
خلاصة جولة : المنافسة الحقيقية بدأت من الداخل
ما يحدث الآن لا يتعلق بالمقارنة بين منتجين، وإنما بتغير في طبيعة السوق نفسه.
المنافسة لم تعد تدور حول من يصل إلى أكبر عدد من المستخدمين، وإنما حول من يستطيع أن يرسخ نفسه داخل بيئة العمل اليومية.
Anthropic تتحرك بسرعة في هذا الاتجاه، وOpenAI تحاول الحفاظ على موقعها في سوق يتغير بشكل مستمر.
في النهاية، من سيقود هذه المرحلة هو من يتمكن من التحول من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى نظام تعتمد عليه الشركات بشكل يومي.



