
لم يعد من الدقيق تصنيف تابي كشركة تقنية تقدم خدمة “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، بل أصبحت في 2025 أقرب إلى مؤسسة تمويلية متكاملة، تمتلك محفظة قروض بمليارات الريالات وتعمل ضمن إطار تنظيمي رسمي.
هذا التحول يعيد تعريف تقييم الشركة بالكامل، حيث لم يعد السؤال مرتبطًا بعدد المستخدمين أو حجم العمليات، بل بجودة الأصول، وهيكل التمويل، وقدرتها على إدارة المخاطر.
نمو الإيرادات… توسع سريع مدفوع بالتجار
سجلت تابي إيرادات بلغت 1.4 مليار ريال في 2025، مقارنة بنحو 1 مليار ريال في 2024، بنسبة نمو تقارب 40%.
لكن قراءة الرقم بشكل سطحي لا تكفي.
فهذا النمو لا يأتي من زيادة الأسعار أو تحميل المستخدمين تكاليف إضافية، بل من التوسع في شبكة التجار وزيادة حجم العمليات الممولة.
بمعنى آخر، تابي تنمو كلما زادت قدرتها على تحفيز المبيعات لدى شركائها، وهو نموذج يجعل الإيرادات مرتبطة مباشرة بالنشاط التجاري وليس بالعميل النهائي.
الربحية تقفز ولكن بهوامش حساسة
قفز صافي الربح إلى 206 مليون ريال، مقارنة بـ 113 مليون ريال في العام السابق، بنسبة نمو تقارب 82%.
هذا النمو يعكس تحسنًا واضحًا في الكفاءة، لكنه يخفي حقيقة أكثر تعقيدًا:
الربحية في هذا النموذج ليست مستقرة بطبيعتها، بل تعتمد على توازن دقيق بين ثلاثة عوامل:
- تكلفة التمويل
- خسائر الائتمان
- حجم العمليات
وأي اختلال في أحد هذه العناصر يمكن أن يضغط على الهوامش بشكل سريع.
محفظة التمويل | محرك النمو الحقيقي
ارتفعت القروض للعملاء إلى 3.18 مليار ريال في 2025، مقارنة بـ 2.39 مليار ريال في 2024، أي نمو يتجاوز 33%.
هذا الرقم هو المؤشر الأهم في تقييم تابي، لأنه يعكس حجم النشاط الأساسي.
لكن في المقابل، هذا التوسع يعني:
- زيادة التعرض لمخاطر التعثر
- ارتفاع الحاجة إلى تمويل مستمر
- ضغط أكبر على السيولة
وهنا يظهر جوهر نموذج BNPL: النمو لا يتحقق إلا عبر التوسع في الإقراض.
الرافعة المالية | نقطة القوة ونقطة الخطر
بلغ صافي الدين 2.58 مليار ريال، متجاوزًا الحد التنظيمي البالغ 2.06 مليار ريال.
هذا الرقم ليس مجرد مؤشر مالي، بل إشارة واضحة إلى أن الشركة تعتمد بشكل مكثف على التمويل الخارجي لدعم النمو.
بمعنى أدق، تابي لا تنمو من تدفقاتها الداخلية، بل من قدرتها على الوصول إلى مصادر تمويل جديدة.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما نجحت الشركة في التوسع، زادت حاجتها إلى الدين.
التدفقات النقدية | الحقيقة خلف الأرباح
رغم تحقيق أرباح، سجلت تابي تدفقات نقدية تشغيلية سلبية بقيمة 123 مليون ريال.
هذا التناقض بين الربح والمصاريف النقدية ليس خطأ محاسبيًا، بل سمة أساسية في شركات التمويل.
السبب بسيط:
الشركة تمنح قروضًا اليوم، بينما تحصل على الأموال لاحقًا.
لكن استمرار هذا النمط لفترة طويلة يعني أن الشركة ستظل بحاجة إلى تمويل خارجي للحفاظ على نموها.
جودة الائتمان | عامل الحسم الحقيقي
بلغت خسائر الائتمان المتوقعة نحو 172 مليون ريال، وهو رقم يعكس تكلفة المخاطر المرتبطة بالنمو السريع.
ورغم أن هذا المستوى يبدو تحت السيطرة، إلا أنه يمثل المتغير الأكثر حساسية في النموذج.
أي ارتفاع في معدلات التعثر قد يؤدي إلى:
- تآكل الأرباح
- زيادة تكلفة التمويل
- تراجع ثقة المستثمرين
وهذا يجعل إدارة المخاطر الائتمانية العامل الأكثر أهمية في استدامة النمو.
هيكل التكاليف… كفاءة تشغيلية مقابل تكلفة بنية تحتية
بلغت تكاليف المعالجة نحو 491 مليون ريال، إضافة إلى مصاريف تشغيلية بلغت 292 مليون ريال.
في المقابل، جاءت مصاريف التسويق عند مستويات منخفضة للغاية مقارنة بحجم الشركة.
هذا يعكس نموذج نمو مختلف، يعتمد على:
- الشراكات التجارية
- الانتشار داخل المنصات
- القيمة المقدمة للتجار
وليس على الإنفاق الإعلاني المباشر.
السيولة والميزانية… استقرار نسبي تحت ضغط التوسع
بلغت السيولة النقدية 737 مليون ريال، بينما وصلت الأصول إلى 5.79 مليار ريال.
لكن مقابل هذه الأصول، هناك التزامات مرتفعة، ما يعني أن التوازن المالي يعتمد بشكل كبير على استمرار الوصول إلى التمويل.
خلاصة جولة : نموذج ناجح… ولكن عالي الحساسية
تعكس نتائج تابي في 2025 شركة تحقق:
- نموًا قويًا في الإيرادات (+40%)
- قفزة في الأرباح (+82%)
- توسعًا كبيرًا في الإقراض (+33%)
لكن هذا النمو يعتمد على معادلة دقيقة:
التوسع السريع مقابل الاعتماد على الدين، مع الحاجة المستمرة لإدارة المخاطر الائتمانية.
السؤال لم يعد: هل تابي تنجح؟
بل: هل يمكن لهذا النموذج أن يحافظ على توازنه مع استمرار التوسع؟



