التقارير

تحولات عميقة في التوظيف مع تصاعد الذكاء الاصطناعي: تحديات ومسارات جديدة لبناء الكفاءات

تشهد أسواق العمل الدولية موجة غير مسبوقة من التغييرات تحت وطأة الذكاء الاصطناعي، ما دفع مسؤولي الموارد البشرية في شركات كبرى لإعادة النظر في منظومة استقطاب المواهب وبناء قادة المستقبل.

ففي لقاء نظمته Business Insider على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اجتمع 15 مسؤول من نواب الرؤساء التنفيذيين ومديري الموارد البشرية لمناقشة كيف تحتم التحولات الرقمية مراجعة جميع خطوات التوظيف والتطوير الوظيفي.

مواهب تحت التهديد وتقليص أدوار المبتدئين

تشير نقاشات المشاركين، وبينهم مسؤولون في شركات استشارات كبرى، إلى أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي أدى إلى تراجع الحاجة إلى توظيف أعداد كبيرة من خريجي الجامعات حديثًا في الأدوار المبتدئة، مثل إعداد النماذج المالية أو تحليل البيانات.

سابقاً، ظلّت هذه الوظائف مدخلاً لتأهيل جيل جديد من المديرين المتوسطين وأصحاب الخبرة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مصير سلسلة بناء الكفاءات مستقبلاً.

وتقول إليزابيث فابر، المديرة العالمية للموارد البشرية في Deloitte:

“نبحث بدقة في كيفية الحفاظ على توازن دقيق بين تقليص القواعد الوظيفية ليكون الأداء أكثر كفاءة، وبين مسؤوليتنا في إعداد القادة للسنوات المقبلة”.

وتؤكد فابر أن الشركة ستظل قائمة على القيادة البشرية المدعومة بالتقنية، لكنها تشير إلى ضرورة توجيه الاستثمار في مجالات تطوير جديدة تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي.

خبراء آخرون أشاروا إلى أن تقلص حجم فرق المحللين لا يقتصر على قطاع الاستشارات، بل طالت التغييرات قطاعات أخرى، مع بروز حلول تقنية ساهمت في تقليص عدد مهام المبتدئين اليدوية، وهو ما يؤثر تدريجياً في نموذج “سلسلة التوريد البشرية” للمواهب.

ذو صلة | لماذا لن يقضي الذكاء الاصطناعي على بعض الوظائف؟ رؤية Jensen Huang

التحدي في تقييم المرشحين

يبدو أن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على تغيير أنماط التوظيف بل ألقى بظلاله أيضاً على آليات تقييم المتقدمين للوظائف.

وأفادت ناتالي سكاردينو، المديرة التنفيذية للموارد البشرية في Salesforce، أن تغيرات مهمة حدثت في معايير الاستقطاب، موضحة أن شركتها – التي تستقبل قرابة مليوني طلب وظيفة سنوياً – باتت تركّز في عملية التقييم على قدرة المرشح على التعلم والتكيف بدلًا من سنوات الخبرة أو عدد الشهادات. وتابعت:

“صار التحدي الأكبر أمام فرق التوظيف هو قياس قابلية التعلم لدى الأشخاص. نسعى أن نرى في المتقدمين مرونة التفكير والقدرة على التعامل مع التطبيقات الجديدة، أكثر من الاكتفاء بتقييم تاريخهم الوظيفي”.

فجوة محتملة في الكفاءات المتوسطة والعليا

تتزايد المخاوف من أن تقليص فرص دخول المبتدئين اليوم سيؤدي في غضون سنوات إلى فجوة حقيقية في الكفاءات الوسطى والعليا، خاصة في الوظائف التقنية.

وترى سفينيا جوديل، كبيرة الاقتصاديين في Indeed، أن بعض القطاعات باتت تضع خبرة خمس سنوات شرط أساسي للالتحاق بوظائف تقنية، مقابل تراجع هذا الشرط في قطاعات كالصحة.

وتحذر جوديل من أن الاستمرار في الحد من فرص تدريب الخريجين الجدد يعني نقصاً لاحقاً في أصحاب الخبرة، ما ينذر بضعف تدفق الكفاءات المستقبلية لسوق العمل.

قد يهمك | الذكاء الاصطناعي يفرض قواعد جديدة على بيئة العمل عالمياً

أثر الذكاء الاصطناعي على عملية التقديم ومهام التوظيف

سهّل الذكاء الاصطناعي من قدرة الباحثين عن عمل على تخصيص السير الذاتية ورسائل التغطية، ما أدخل أقسام التوظيف في تحديات مزدوجة بين إدارة سيل من الطلبات وضرورة ابتكار آليات انتقاء أدق.

في هذا السياق، استعرضت بكّي فرانكوفيتش، رئيسة قسم الاستراتيجية في ManPower Group، تجربة الشركة وقالت:

“نعالج عشرة ملايين سيرة ذاتية سنوياً لكننا ننجح في توظيف ثلاثة ملايين فقط. هناك سبعة ملايين يسعون للعمل ولا يحصلون عليه”.

وترى أن الذكاء الاصطناعي يساعد في تسريع الانتقاء لكنه أيضاً قد يسهم في تفويت فرص على المتقدمين الذين لا تتطابق سيرهم بدقة مع متطلبات الأنظمة الجديدة.

وفي حين لا تزال هناك مخاوف من تحيز الذكاء الاصطناعي، إلا أن بعض المتخصصين يرون إمكان تطوير هذه الأدوات لتقليل التحيزات وتحسين العدالة في الفرص الوظيفية.

خلاصة المشهد

يرى مسؤولو الموارد البشرية أن أسواق العمل أمام تحول جوهري في مفهوم الكفاءة المهنية والتدرج الوظيفي.

ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة رسم حدود الأدوار البشرية، ستحتاج الشركات إلى إعادة هيكلة عمليات بناء القيادات لتنمية مرونة الفرق وتوسيع قنوات اكتساب المهارات الأساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
✨ اسأل جولة AI
Jawlah AI
مرحباً! كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟
×